المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : العفــة وصيانة النفس


الشيخ حمود السرهيد
04-03-2009, 09:49 PM
العفة وصيانة النفس


الخطبة الأولى

الحمد لله رب العالمين والعاقبة للمتقين ولا عدوان إلا على الظالمين وأشهد ان لا إله إلا الله إله الأولين و الآخرين وأشهد أن نبينا محمد عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه أجمعين

أمــــا بعد :
أيها المسلمون اتقوا الله تعالى وراقبوه واحرصوا على طاعته تفوزوا في الدارين . قال الله عز وجل / أعوذ بالله من الشيطان الرجيم(ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ) وقال تعالى (من كان يريد العزة فلله العزة جميعاً ) 0

أيها الأخوة في الله :

وصف الله تعالى نفسه بالعزة فهو العزيز الذي لا يقهر ووصف بها رسوله صلى الله عليه وسلم ووصف بها المؤمنين وعزة الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين هي من عزة الله عز وجل فحينما اعتزوا به أعزهم ورفع شانهم في العالمين . إن الإسلام قد قام في نفوس أصحابه على أساس متين هو الإيمان بالله وحده لا شريك له فهم يعبدونه ويخضعون لجبروته ويذلون لسلطانه وبهذه العبودية يعتزون على سائر المخلوقات فكل ما بالغ المؤمن في الخضوع لله وعظمته أزداد ثقةً بنفسه ومعرفةً بقدره لأن صلة حينئذ تكون وثيقةً بإله الكون وخالقه فليس للمخلوقات مهما عظمت سوى مكان الخضوع والذل لقدرة الله وصدق الله العظيم (وأن من شيءً الا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم ) .. فالتوحيد في الحقيقة يعني تحرير النفس الإنسانية من طبائع الخنوع والاستكانة والذل والمهانة ودعمها بالفضائل العلياء وتزويدها بأخلاق المقاومة والمصابرة ومعاني الكفاح والتضحية وتلك كلها قيم نبيلة نابعة من التوحيد الخالص لله عز وجل من هنا نجد المؤمن حينما يعرف ربه يرفض الخضوع لما سواه فلا إله غيره ولا معبود بحق سواه ومن هنا تنبع أخلاق المسلم وأولها عزة نفسه التي تلازمه في كل أحواله غنياً كان أو فقيراً قوياً أو ضعيفاً سيداً أو مسوداً وهذا هو شأن الصحابة الكرام إذ رباهم معلمهم المصطفى صلى الله عليه وسلم – على الخلق الرفيع وأخذ عليهم العهد أن يتمسكوا بعزة أنفسهم ولا يذلوا لمخلوق مهما كانت الأحوال جاء عن أبي عبد الرحمن عوف أبن مالك – رضي الله عنه قال : ( كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم تسعة أو ثمانية أو سبعة فقال الا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم فبسطنا أيدينا وقلنا قد بايعناك يا رسول الله فعلام نبايعك؟ قال أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئاً والصلوات الخمس وتطيعوا ولا تسألوا الناس – يقول أبو عبد الرحمن فلقد رأيت أولئك النفر يسقط سوط أحدهم فلا يسأل أحداً يناوله إياه) .

أرأيتم أيها الأخوة الى عناصر البيعة المحمدية لقد حددها النبي صلى الله عليه وسلم في الإيمان بالله الذي يحرر من الشرك في أداء الصلوات التي هي مظهر العبودية للخالق المقتدر , وفي الطاعة التي لا تخالف عن أمر من أوامر الله – وثمرة ذلك كله أن يصون المؤمن نفسه عن سؤال الناس – ثم أمتثل الصحابة – رضي الله عنهم بشرط هذه البيعة فقد بالغوا في ذلك حتى كان أحدهم يرفض ان يستعين بأحد فيناوله سواطه إذا سقط من يده احتياطا من احتمال نقض البيعة حتى في هذا الموقف البسيط .
أن المتأدبين بأدب الإسلام المتمسكين بأوامره هم الذين لا يحسون فقرا حتى لو كانوا فقراء ولا يحسون ضعفاً حتى لو كانوا ضعفاء وإنما يزينهم ويجملهم دائماً التعفف والقناعة والرضا بقدر الله والإيمان بسلطان المقادير على الأشياء والأنفس .
وهم الذين أمرنا الله سبحانه أن نقصدهم في دورهم نبحث في أحوالهم وأن نقوم على شئونهم فنعين فقيرهم ونجبر كسيرهم ولقد وصفهم الله أجمل وصف في قوله سبحانه : (للفقراء الذين اُحصروا في سبيل الله لا يستطيعون ضرباً في الأرض يحسبهم الجاهل أغنياء من التعفف تعرفهم بسيماهم لا يسألون الناس إلحافاً ) ومثل هذا الخلق الرفيع بحاجه الى رصيد كبير من الصبر و التحمل وتحمل الظروف القاسية دون إلا الى الله .ولعل في موقف إبراهيم عليه الصلاة و السلام حين القي في النار ما يجسد هذا الخلق قال له جبريل الك حاجه فرد عليه إبراهيم أما إليك فلا وأما إلى الله فعلمه بحالي حسبي من سؤالي ، أنه منطق الإيمان – ولقد تعلم الصحابة رضوان الله عليهم هذا الخلق فكانت منهم نماذج شريفه من أمثال حكيم بن حزام الذي سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيه فأعطاه ما يرضيه ثم أوصاه الا يسأل فاقسم حكيم الا يسأل أحدا بعد النبي حتى يفارق الدنيا فكان أبو بكر مع جلال قدره يدعوه ليعطيه العطاء فيأبى أن يأخذ منه شيئا – ثم أن عمر رضي الله عنه ممن دعاه ليعطيه فأبى أن يقبله فقال يا معشر المسلمين أشهدكم على حكيم إني اعرض عليه حقه الذي قسم الله له في هذا الفيء فيأبى أن يأخذه ولم يسأل حكيم أحدا من الناس بعد النبي صلى الله عليه وسلم حتى توفى رضي الله عنه .
إن عزة النفس لا تأتي بعدما يصبح المرء غنيا بالمال وإنما تأتي بغنى النفس 0
يقول صلى الله عليه وسلم (ليس الغنى غنى العرض ولكن الغنى غنى النفس ) ..
أقول قولي هذا وأستغفر الله العظيم لي ولكم من كل ذنب عظيم ..


الخطبة الثانيــــة :


أيها المسلون – اتقوا الله تعالى ثم أعلموا أن نبيكم عليه الصلاة والسلام قد عاش عزيز النفس عفيف القصد شريف المسلك في كل خطوة خطاها وفي كل لحظه عاشها لم يحن الجبين الا لله ولم يضع حاجته إلا بين يدي ربه وجاء بعده صحابته يطلبون الأشياء بعزة النفوس لأن الأمور تجري بالمقادير وقد حفظوا ما علمهم نبيهم محمد صلى الله عليه وسلم حين قال فيما يرويه سهل بن سعد رضي الله عنه ( جاء جبريل الى النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا محمد عش ما شئت فانك ميت , واعلم أن شرف المؤمنين في قيام الليل وعزّه استغناؤه عن الناس ) فلنتأدب بآداب الإسلام ولنتخلق بأخلاقه فهي تزيدنا شرفاً وعزاً ولنعلق حاجاتنا بمن هو أهل لقضائها وهو الله سبحانه وتعالى 0

أيها الأخوة / إن من يستغن يغنه الله ومن يستعفف يعفه الله ومن لجأ بحاجته واستغنى بها عن الخلق كان حرياً أن يحظى بمطلوبة ويحافظ على كرامته .

نسأل الله تعالى أن يوفقنا جميعاً لطاعته وأن يجنبنا معصيته 0