المساعد الشخصي الرقمي

مشاهدة النسخة كاملة : الورع المكذوب


أبو المهند
02-19-2008, 01:36 PM
بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد بن عبد الله الصادق الأمين محمد بن عبد الله الصادق الأمين وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلى صحابته الغر الميامين أبو بكر وعمر وعثمان علي وسائر العشرة المبشرين وعلى الأنصار والمهاجرين وعلى سائر الصحابة المتقدمين منهم والمتأخرين ومن سار على نهجهم واستن بسنتهم إلى يوم الدين

أما بعد

انقسم الناس في الورع إلى أربعة أقسام:

الأول: من تورع لله حق تورعه وأخفى تورعه عن الناس وأخلص لله تعالى في ورعه وتقاه، فحقق التقوى في إتيان ما أمر الله تعالى واجتناب ما نهى الله عنه، وتقديم محاب الله على محاب النفس، وهذا هو المفلح إن شاء الله.

الثاني: من تورع لله تعالى ولكنه لم يخلص في ورعه، فهو يظهر ورعه للناس ويبينه لهم، ويفعل أعمال المتقين أمام الناس، ويذكر نماذج من ورعه من باب المباهاة، وهذا مرائي ليس لله حق في ورعه، فعند خلوته بنفسه يعمل ما لا يعمله الفجار، فنسأل الله له الهداية.

الثالث: من لم يتورع لله تعالى ولم يتقه، فهو يعمل المعاصي والنكرات ما أمكنه، ومن صفاته أنه يحب المعاصي ويحب أن تشيع في الناس، ويبغض من ينكرها، وهو يعلم أنه بفعله أنه يعصي الله تعالى، وأغلب هؤلاء يكونوا متكلين على سعة مغفرة الله تعالى لهم، وهؤلاء هم الفجار والفساق.

الرابع: من يتوهم الورع ويدعيه، ويتورع فيما ليس فيه ورع، فقد حرم المكروهات والمباحات وأوجب المستحبات والسنن، وهو متكلف في ورعه، ويختلق المواقف لبيان ورع مكذوب مخدوع، حتى يظهره أمام الناس، فتجده يقول: (هذا ما ينبغي – كان عليه ألا يفعل كذا – والأفضل أن يعمل كذا – وهذا ليس من الزهد - ......الخ) من الألفاظ، وهذا هو موضوعنا.

فهو يتورع عن كبائر الذنوب ولا يتجنب صغيرها، فيظن في نفسه أنه قد عمل عملاً لم يعمله أحداً سواه، ويظن أنه قد وصل درجة الصالحين، وبلغ مرتبة العارفين

وتراه يتوهم كثيراً في أعماله، فيعمل عملاً يظنه كاملاً وهو ناقصاً عند الله تعالى، ويظن علمه صحيحاً وربما كان بدعاً من الدين، وربما ظن أنه خيراً، وهو لا يفعل إلا شراً بنفسه وغيره.

وعند ورعه الحقيقي يتكلف في ورعه، فهو يجتهد فيه بإكراه المباحات وتحريم المكروهات ويتجنبها، ويوجب المستحب والسنة فيعملها، وهو لن يستطيع فعل هذا كله أبداً مهما بلغ في عبادته، فلا بد للعبد أن يفتر وأن يخطأ.

وهذا الإجتهاد ناتج عن هواه، لأنه لو أكره كل مباح وحرم كل مكروه وأوجب كل مستحب لعاش غير مبيح لنفسه ما أحل الله له ولعاش بشر حال، وهذا ما لا يريده الله من عباده، فقد بين لهم ما يجب عليهم أن يتقوه وبين لهم ما أحل لهم فيعملوه.

ولو عمل كل مستحبات الشريعة على سبيل الوجوب لما أستطاع لأن مستحبات الشريعة كثيرة والإنسان يعمل منها ما استطاع، وعمل كل ما أوجب الله وكل ما حبب، مع ترك كل ما حرم الله و ما أكره وأباح، يعني أن هذه عصمة، وهو يدعيها عملاً، وهو بهذا الشكل يتعبد الله بهواه غير تابع لسنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم، الذي بين لنا كل خير وحذرنا من كل شر، وانتهاج نهج غيره يعني الضلالة.

وحال هذا الرجل كحال الثلاثة الذي جاءوا في الحديث الذي يرويه أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ: ( جَاءَ ثَلَاثَةُ رَهْطٍ إِلَى بُيُوتِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَ عَنْ عِبَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا أُخْبِرُوا كَأَنَّهُمْ تَقَالُّوهَا فَقَالُوا: وَأَيْنَ نَحْنُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ. قَالَ أَحَدُهُمْ: أَمَّا أَنَا فَإِنِّي أُصَلِّي اللَّيْلَ أَبَدًا. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَصُومُ الدَّهْرَ وَلَا أُفْطِرُ. وَقَالَ آخَرُ: أَنَا أَعْتَزِلُ النِّسَاءَ فَلَا أَتَزَوَّجُ أَبَدًا. فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَيْهِمْ فَقَالَ: أَنْتُمْ الَّذِينَ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا؟ أَمَا وَاللَّهِ إِنِّي لَأَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَتْقَاكُمْ لَهُ لَكِنِّي أَصُومُ وَأُفْطِرُ وَأُصَلِّي وَأَرْقُدُ وَأَتَزَوَّجُ النِّسَاءَ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي ) رواه البخاري ومسلم.

وحاله كحال ذلك الرجل الذي جاءه مؤمن ليؤول عنده رؤيا، فقال: لا أستمع للأحلام، أو جاءه مؤمن يشكو قلبه، فقال له: لا أستمع للأوهام، أو جاءه مؤمن يشكو دينه، فقال له: لا أداوي الأسقام، فيظن أنه وحيد زمانه وعصره.

فهو ورع فيما ليس ورع، فينتقص غيره بورعه المكذوب، وهو متكلف لأنه شرع هواه للتكلف في تشريع ورعٍ، وهو باطل متوهم غير عاقل بل يضل.

فلا يحتاج الله إلى ورعه، بل يريد الله فلاحه ونجاحه وإخلاصه وتقاه ونجاته يوم القيامة، فأتباع الهوى مورد للمهلكة، وإتباع ما أمر الله منجاة وفوز وظفر.

فالورع الحق هو ورع رسول الله صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وأصحابه وآل بيته المؤمنين، فلنا في ورعهم قدوة وفي تقاهم أسوة وفي نهجهم إتباع وفي شرعهم هدي.

وهو المتورع كالذي يبني ليهدم، فورعه المكذوب وإظهاره للناس وعدم إخلاصه يجعله مرائياً في ورعه، وإتباع هواه مع استحباب ما ليس مستحب دليل على ابتداعه وبعده عن السنة.

وفي كل الأحوال فإن هذا الورع هو الذي جاء الشرع بالتحذير منه والإتيان بما يضاده من الورع الصادق والتقوى الحقة التي لنا فيها تبيان من سنة الحبيب محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم.

ومن جهل هؤلاء القوم أنك تجدهم يتورعون عن محارم الله تعالى، ولكنهم زاهدون في العلم، فهم يعيشون على جهالة، ولم يعلموا أن من العلماء من حكم عقله وهواه فضل بسبب ذلك، فيكف لا يضل جاهل؟.

فحالهم كحال المتصوفة المبتدعة إذ أنهم كانوا يتعبدون الله تعالى بكل ما يقدرون عليه لكن عبادتهم مردودة عليهم لأنهم يتعبدون الله على غير السنة، والله تعالى حث عباده على إتباع سنة نبيه محمد صلى الله عليه وآله وصحبه وسلم وترك ما سواه، بل إنه علق الفلاح باتباع النبي فقال: {قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَفَإِن تَوَلَّوا فَإِنَّمَا عَلَيْهِ مَا حُمِّلَ وَعَلَيْكُم مَّا حُمِّلْتُمْ وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُواوَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ }النور54

نسأل من الله تعالى أن يجعلنا ممن يتورعون لله حق الورع وحق التقى وأنه يجعلنا هادين مهديين غير ضالين ولا مضلين وأن يتقبل أعمالنا إنه ولي ذلك والقادر عليه.

وصلى الله على نبينا وحبيبنا وسيدنا وقدوتنا سيد الأنبياء والمرسلين وخاتمهم محمد بن عبد الله النبي الأمي الصادق الأمين، وعلى آل بيته علي وفاطمة والحسنين وأزواجه وبقية آل بيته الطيبين الطاهرين، وعلى خلفاءه وعشرته المبشرين بالجنة وصحابته الغر الميامين، وسائر صحابته من المتقدمين والمتأخرين، وعلى من تبعهم من بعدهم بإحسان إلى يوم الدين.. آمين